لقاء ثقافي في الخليل يسلّط الضوء على كتاب زهرات في قلب الجحيم للكاتب حسن العبادي يوثّق تجربة 75 أسيرة في "الدامون"
نظّم نادي الأسير الفلسطيني لقاءً ثقافيًا لإطلاق ومناقشة كتاب "زهرات في قلب الجحيم" للكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي، وذلك في قاعة مركز إسعاد الطفولة – بلدية الخليل، بحضور عشرات الأسيرات المحررات وذوي الأسيرات القابعات في سجن "الدامون"، إلى جانب فعاليات رسمية ووطنية وثقافية من المحافظة. وقد أدارت اللقاء الإعلامية رزان القواسمة، فيما استُهلّت الفعالية بالوقوف دقيقة صمت وحداد على أرواح الشهداء.
وفي كلمته الافتتاحية، رحّب مدير عام نادي الأسير الفلسطيني أمجد النجار بالكاتب والحضور من أسيرات محررات وذوي الأسيرات وفعاليات المحافظة، مؤكدًا أهمية تسليط الضوء على قضية الأسيرات في ظل ما يتعرضن له من انتهاكات متصاعدة، خاصة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث شهد سجن "الدامون" تدهورًا غير مسبوق في الظروف الاعتقالية، تمثل بالاكتظاظ الشديد، وإجبار عدد من الأسيرات على النوم على الأرض في بيئة رطبة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية، إلى جانب سياسة التجويع، والحرمان من النظافة، والعزل، والتفتيش العاري، والتعذيب بالبرد.
ويشكّل كتاب "زهرات في قلب الجحيم" توثيقًا ميدانيًا لواقع الأسيرات الفلسطينيات داخل سجن "الدامون"، استند فيه عبادي إلى خمس وسبعين زيارة قانونية أجراها خلال الفترة ما بين أيار/مايو 2021 وشباط/فبراير 2024. ويرصد الكتاب ظروف اعتقال الأسيرات، والتهم والأحكام الصادرة بحقهن، وتفاصيل حياتهن اليومية، مسلطًا الضوء على معاناتهن الإنسانية والنفسية والاجتماعية، ودور الزيارات القانونية في كسر العزلة وتعزيز صمودهن من خلال نقل رسائل العائلات وصور الأبناء.
وخلال اللقاء، قدّمت الدكتورة منى أبو حمدية قراءة نقدية للكتاب، أكدت فيها أن العمل نجح في "أنسنة" قضية الأسيرات، وتحويلها من أرقام في سجلات الاعتقال إلى حكايات إنسانية نابضة بالصمود والكرامة. وأشادت بالمزج المتقن بين التوثيق والسرد الأدبي، معتبرة أن الكتاب يسهم في ترسيخ الذاكرة الوطنية وصون الرواية الفلسطينية من التهميش.
من جانبه، أكد الكاتب حسن عبادي أن مشروعه التوثيقي يستهدف "الكل الفلسطيني" دون استثناء، جغرافيًا أو فصائليًا، ويهدف إلى تحويل قضية الأسيرات إلى قضية إنسانية عالمية من خلال التشبيك مع وسائل الإعلام والتحالفات الدولية، ومن بينها "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، مشددًا على أن كل زيارة كانت مسؤولية أخلاقية ووطنية قبل أن تكون مهمة قانونية.
وتحدث الأسير المحرر راتب حريبات عن أهمية الكتاب في هذه المرحلة، مؤكدًا أن ما يُخفى خلف جدران السجون أكبر مما يُعلن، وأن توثيق تجربة الأسيرات يشكّل خطوة أساسية في حماية الرواية الفلسطينية وتعزيز حضورها إعلاميًا وحقوقيًا. كما شدد على أن قضية الأسيرات تمثل معاناة مضاعفة، إذ تتحمل المرأة عبء الاعتقال وقلقها على أسرتها وأبنائها في آنٍ معًا.
بدوره، اعتبر مدير نادي الندوة الثقافي أحمد الحرباوي أن الكتاب يتجاوز كونه عملًا توثيقيًا إلى نصّ يشتبك مع الذاكرة الوطنية، ويحوّل الزيارة القانونية إلى فعل سردي مقاوم. ورأى أن العنوان يحمل مفارقة دلالية عميقة تضع الجمال في مواجهة القهر، مؤكدًا أن الكتاب يشكّل إضافة نوعية لأدبيات السجن الفلسطينية، ويسهم في إبراز الصوت النسوي المقاوم ضمن المتن السردي الوطني.
كما تحدثت عدد من الأسيرات المحررات عن تجربتهن التي وثقها الكتاب، مؤكدات أن زيارات عبادي شكّلت نافذة أمل ورسالة تضامن حقيقية، وأسهمت في كسر العزلة المفروضة عليهن. وأشرن إلى أهمية توثيق هذه الشهادات في نقل صوت الأسيرات إلى الرأي العام المحلي والدولي، وحفظ الرواية الفلسطينية من التغييب.
وفي ختام اللقاء، قدّم ذوو الأسيرات هدايا تكريمية للكاتب حسن عبادي تقديرًا لجهوده في توثيق معاناة الأسيرات، مؤكدين أن هذا العمل أسهم في إيصال صوت بناتهم إلى المجتمع، وعزّز الحضور الإعلامي والحقوقي لقضيتهن. من جهته، أعرب عبادي عن اعتزازه بهذه اللفتة، مشددًا على أن ما قام به واجب وطني وأخلاقي، وأن قضية الأسرى والأسيرات ستبقى أولوية حتى نيل الحرية.
وأكد المشاركون أن المشاركة الواسعة في إطلاق "زهرات في قلب الجحيم" تعكس حجم التضامن المجتمعي مع قضية الأسرى والأسيرات، وتبعث برسائل صمود وتحدٍ، مفادها أن كل شهادة تخرج من خلف القضبان تمثل انتصارًا على السجّان، وأن إبقاء هذا الملف حيًا في الوجدان الجمعي يشكّل ضرورة وطنية وإنسانية مستمرة.