الحملة الدولية لمناهضة العنف الجنسي بحق الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي
إطلاق الحملة الدولية لمناهضة العنف الجنسي بحق الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي
مؤسسات الأسرى: العنف الجنسي تحول إلى سياسة ممنهجة ضمن منظومة الجرائم المستمرة بحق الأسرى، والمساءلة الدولية ضرورة لإنهاء الإفلات من العقاب
14/7/2026
البيرة – أعلنت مؤسسات الأسرى الفلسطينية، إلى جانب مجموعة من الأسرى المحررين، اليوم، إطلاق الحملة الدولية لمناهضة العنف الجنسي بحق الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وذلك خلال مؤتمر صحفي عُقد في قاعة بلدية البيرة، بحضور ممثلي مؤسسات الأسرى والمؤسسات الحقوقية، وعدد من الأسرى المحررين الذين تعرضوا للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وتأتي هذه الحملة في ظل تصاعد غير مسبوق في الجرائم والانتهاكات التي تنفذها منظومة السجون الإسرائيلية بحق الأسرى الفلسطينيين، وخاصة منذ جريمة الإبادة الجماعية، حيث تحولت السجون إلى ساحات مفتوحة للتعذيب والتجويع والإذلال والعنف الجسدي والنفسي، إضافة إلى جرائم العنف الجنسي التي وثقتها المؤسسات من خلال مئات الإفادات والشهادات.
وأكدت المؤسسات المنظمة للحملة أن ما يجري داخل السجون الإسرائيلية لا يمكن التعامل معه باعتباره انتهاكات فردية أو ممارسات معزولة، بل هو جزء من سياسة ممنهجة تنفذها دولة الاحتلال عبر أجهزتها المختلفة، بهدف كسر الإنسان الفلسطيني وإذلاله والنيل من كرامته، في إطار منظومة أوسع من الجرائم المرتكبة بحق الأسرى والشعب الفلسطيني.
وأوضحت أن إطلاق الحملة يهدف إلى كسر حاجز الصمت الذي فرضته طبيعة هذه الجرائم على الضحايا، وإعلاء أصوات الأسرى الذين تعرضوا للعنف الجنسي، وتوفير مساحة آمنة لهم للإفصاح عن تجاربهم، وتحويل هذه الشهادات إلى مسار حقوقي وقانوني يفضي إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
وشددت المؤسسات على أن العنف الجنسي بحق الأسرى الفلسطينيين يمثل أحد أخطر أشكال التعذيب والإهانة التي تمارسها منظومة السجون الإسرائيلية، وأن استمرار غياب المساءلة الدولية شكل عاملًا أساسيًا في تمادي الاحتلال بارتكاب هذه الجرائم وتصعيدها، الأمر الذي يستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا وفاعلًا لوقفها وضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب.
وأكدت أن الحملة ستعمل على المستوى الدولي من أجل إيصال شهادات الضحايا إلى مختلف الجهات الحقوقية والقانونية، وتعزيز الجهود الرامية إلى فتح مسارات مساءلة ومحاسبة أمام الهيئات والمحاكم الدولية المختصة، ووضع حد لحالة الحماية السياسية والقضائية التي وفرتها دولة الاحتلال لمرتكبي هذه الجرائم.
الجرائم الجنسية بحق الأسرى ومسار المساءلة
وخلال المؤتمر، أكد رئيس مركز "حريات" حلمي الأعرج أن الجرائم الجنسية بحق الأسرى الفلسطينيين ما تزال مستمرة في ظل غياب المساءلة والمحاسبة، مشددًا على أن هذه الجرائم لا يمكن فصلها عن منظومة الانتهاكات الواسعة التي تنفذها سلطات الاحتلال بحق الأسرى.
وقال الأعرج إن المرحلة الحالية تتطلب رفع صوت الضحايا وملاحقة الاحتلال قانونيًا، مؤكدًا أن دولة الاحتلال لا تكتفي بارتكاب هذه الجرائم، بل توفر الحماية السياسية والقانونية لمرتكبيها، الأمر الذي أسهم في استمرارها وتصاعدها.
وأضاف أن الشهادات التي يقدمها الأسرى المحررون اليوم تمثل جزءًا من معركة قانونية مفتوحة تهدف إلى كشف حقيقة ما يجري داخل السجون، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، مؤكدًا أن الصمت الدولي تجاه ما يتعرض له الأسرى يشكل غطاءً لاستمرار الانتهاكات.
من جهته، أكد رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، رائد أبو الحمص، أن ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية يمثل امتدادًا للإبادة الشاملة التي يشنها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، موضحًا أن الإبادة التي يعيشها قطاع غزة رافقها تصعيد خطير داخل السجون، في ظل استهداف ممنهج للأسرى عبر أدوات التعذيب والتجويع والحرمان من الحقوق الأساسية.
وأشار أبو الحمص إلى أن المؤسسات الفلسطينية المختصة تمكنت، رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الإبادة، من توثيق أعداد كبيرة من الإفادات والمعطيات التي تكشف حجم الجرائم المرتكبة بحق الأسرى، مؤكدًا أن هذه الوثائق تشكل قاعدة أساسية لأي مسار مستقبلي للمساءلة والمحاسبة.
وأضاف أن شجاعة الأسرى المحررين الذين قرروا كسر حاجز الصمت والإدلاء بشهاداتهم تمثل موقفًا تاريخيًا في مواجهة محاولات الاحتلال طمس هذه الجرائم وإخفائها، مؤكدًا أن معركة الدفاع عن الأسرى هي جزء من معركة الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والعدالة.
بدوره، أكد رئيس الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين، أمين شومان، أن إطلاق الحملة يأتي في ظل ارتفاع غير مسبوق في جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي بحق الأسرى الفلسطينيين، لا سيما منذ جريمة الإبادة الجماعية.
وأوضح شومان أن هناك أعدادًا كبيرة من الضحايا الذين لم يتمكنوا حتى اللحظة من الحديث عما تعرضوا له بسبب قسوة التجربة والخوف من آثارها الاجتماعية والنفسية، مؤكدًا أن الحملة تهدف إلى كسر هذا الصمت، وتوفير الإسناد للضحايا، وإيصال قضيتهم إلى العالم أجمع.
وأضاف أن تغييب قضية الأسرى على المستوى الدولي لن يستمر، وأن المؤسسات ستواصل العمل من أجل فضح الجرائم المرتكبة بحق الأسرى والأسيرات، وتحويل هذه الجرائم إلى قضية رأي عام عالمي، بما يضمن الضغط من أجل وقفها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وأكد رئيس نادي الأسير الفلسطيني، عبد الله الزغاري، أن نادي الأسير، بالشراكة مع هيئة شؤون الأسرى والمحررين والمؤسسات الحقوقية المختصة، راكم خلال السنوات الثلاث الماضية مئات الإفادات والمعلومات التي تشكل اليوم أرشيفًا من الأدلة المتراكمة حول الانتهاكات التي ارتكبتها منظومة السجون الإسرائيلية بحق الأسرى الفلسطينيين.
وقال الزغاري إن ما يتعرض له الأسرى من تعذيب وتنكيل وتجويع وحرمان من العلاج، إلى جانب العنف الجنسي، لا يمثل سلوكًا فرديًا أو تجاوزات معزولة، بل هو سياسة ممنهجة تعكس طبيعة النظام الذي تديره دولة الاحتلال تجاه الأسرى الفلسطينيين.
وأضاف أن استمرار هذه الجرائم هو نتيجة مباشرة لحالة الإفلات من العقاب التي تمتعت بها إسرائيل على مدار عقود، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، والعمل على وقف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها.
شهادات الضحايا: كسر الصمت في مواجهة الجريمة
وشهد المؤتمر تقديم شهادات من أسرى محررين تعرضوا للعنف الجنسي داخل السجون الإسرائيلية، حيث شكلت هذه الشهادات محطة مركزية في إطلاق الحملة، باعتبارها نقلًا مباشرًا لما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من انتهاكات ممنهجة خلف جدران السجون.
وفي كلمة له، أكد الأسير المحرر سامي الساعي، أحد ضحايا العنف الجنسي، أن حضوره اليوم لا يأتي للحديث عن تجربة شخصية فقط، وإنما للتحدث باسم عشرات ومئات الأسرى والأسيرات المحررين الذين ما زالوا يحملون آثار هذه الجرائم، ويعيشون تبعاتها النفسية والاجتماعية في ظل غياب الإسناد والمساءلة.
وقال الساعي إن العديد من الضحايا يلتزمون الصمت بسبب قسوة التجربة والخوف من نظرة المجتمع، مؤكدًا أن كسر هذا الصمت يمثل خطوة أساسية في طريق استعادة الضحايا لحقوقهم وكرامتهم، وفي مواجهة الجلاد الذي راهن طويلًا على إخفاء هذه الجرائم.
وأضاف أن الإفصاح عن هذه الانتهاكات ليس فقط وسيلة لكشف الجريمة، بل هو أيضًا بداية لمسار التعافي النفسي والإنساني للضحايا، داعيًا الأسرى الذين تعرضوا لهذه الجرائم إلى عدم البقاء وحدهم خلف جدران الخوف والألم.
وقال: "إن صمت الضحايا هو السلاح الأخير الذي يراهن عليه الاحتلال للإفلات من جريمته، أما صوتنا الجماعي فهو الطريق نحو العدالة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات."
من جانبها، تناولت زوجة الأسير المحرر يوسف عمايرة في مداخلتها الأثر الممتد لهذه الجرائم على عائلات الضحايا، مؤكدة أن العنف الجنسي لا يترك أثره على الأسير وحده، وإنما يمتد إلى أسرته بأكملها، التي تتحمل أعباء نفسية واجتماعية عميقة.
وقالت إن زوجات الأسرى وأطفالهم يعيشون تداعيات هذه الجرائم في صمت، موضحة أن الزوجة تجد نفسها أمام مسؤوليات مضاعفة في محاولة الحفاظ على تماسك الأسرة، بينما يحمل الأطفال أسئلة وأوجاعًا لا يجدون لها إجابات.
وأكدت أن عائلات الضحايا بحاجة إلى الدعم والإسناد، وأن مواجهة آثار هذه الجرائم تتطلب إدراك أن الضحية ليست فردًا واحدًا، بل أسرة ومجتمعًا كاملًا يتأثر بما تعرض له الأسير.
شهادة يوسف عمايرة: ما يحدث خلف الجدران يجب ألا يبقى مخفيًا
وفي شهادة مؤثرة، قدم الأسير المحرر يوسف عمايرة، المنسق العام للحملة وأحد ضحايا جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي خلال فترة اعتقاله، شهادته حول ما تعرض له الأسرى داخل السجون الإسرائيلية.
وأكد عمايرة أن الكلمات تعجز عن وصف حجم المعاناة التي يعيشها الأسرى الذين تعرضوا لهذه الجرائم، وكذلك الألم الذي يرافق عائلاتهم وزوجاتهم وأطفالهم، مشددًا على أن الحديث لا يتعلق بحوادث ماضية فقط، وإنما بواقع ما زال مستمرًا داخل السجون.
وقال إن هناك أسرى ما زالوا يتعرضون لانتهاكات قاسية خلف الجدران، وإن العالم مطالب بأن يدرك أن الجرائم التي ترتكب بحق الأسرى ليست روايات فردية، وإنما جزء من واقع يومي يعيشه المعتقلون الفلسطينيون.
وأضاف أن جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي بحق الأسرى الفلسطينيين لم تعد حالات منفصلة، بل تحولت إلى ممارسة ممنهجة ضمن منظومة السجون الإسرائيلية، يحظى مرتكبوها بالحماية من سلطات الاحتلال، الأمر الذي يستوجب تدخلًا دوليًا عاجلًا.
وتساءل عمايرة عن ازدواجية المعايير الدولية تجاه هذه الجرائم، قائلًا إن السؤال الذي يجب أن يطرح على العالم هو: هل كان سيُسمح باستمرار هذه الجرائم لو كان أحد الضحايا يحمل جنسية مختلفة؟ وهل كان الصمت الدولي سيبقى قائمًا لو كان الضحايا من جنسيات أخرى؟
نحو مسار دولي للمساءلة والمحاسبة
وفي ختام المؤتمر، أكدت المؤسسات المنظمة للحملة أن إطلاقها يمثل بداية لمسار طويل يهدف إلى فضح جرائم العنف الجنسي بحق الأسرى الفلسطينيين، وإنهاء حالة الصمت التي أحاطت بهذه الجرائم، والعمل على بناء ملف حقوقي وقانوني متكامل يستند إلى شهادات الضحايا والإفادات الموثقة.
وشددت المؤسسات على أن العنف الجنسي الذي يمارس بحق الأسرى الفلسطينيين يشكل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وجريمة تستوجب التحقيق والمحاسبة، مؤكدة أن مسؤولية وقف هذه الجرائم لا تقع على عاتق الضحايا وحدهم، بل هي مسؤولية المجتمع الدولي ومؤسساته القانونية والحقوقية.
ودعت المؤسسات الأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، وآليات الأمم المتحدة الخاصة، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفاعلة لضمان حماية الأسرى الفلسطينيين، وفتح تحقيقات مستقلة في الجرائم المرتكبة بحقهم، ومحاسبة المسؤولين عنها، ووضع حد لسياسة الإفلات من العقاب التي شجعت على استمرارها.
وأكدت أن الحملة الدولية ستواصل عملها في مختلف الساحات الدولية، من أجل إيصال صوت الأسرى، ودعم الضحايا، وملاحقة مرتكبي الجرائم، وصولًا إلى تحقيق العدالة وإنصاف جميع من تعرضوا لهذه الانتهاكات.
(انتهى)