إحاطة صادرة عن نادي الأسير الفلسطيني حول مجمل ما رُصد خلال زيارات الأسرى إلى السجون الإسرائيلية خلال شهر آب/أغسطس المنصرم، وبداية أيلول/سبتمبر 2026

إحاطة صادرة عن نادي الأسير الفلسطيني حول مجمل ما رُصد خلال زيارات الأسرى إلى السجون الإسرائيلية خلال شهر آب/أغسطس المنصرم، وبداية أيلول/سبتمبر 2026

أبرز ما تتضمنه الإحاطة:  "بن غفير" وعائلته في سجن "الدامون": الأسيرات الفلسطينيات في مرمى الاستعراض السياسي والقمع الممنهج

9/9/2026

- تواصل منظومة السجون الإسرائيلية تكريس نهجها القائم على التعذيب والتنكيل والعقاب الجماعي بحقّ الأسرى الفلسطينيين، في سياق أوسع من السياسات الممنهجة التي تستهدف أجسادهم وحياتهم وصحتهم الجسدية والنفسية. وما تكشفه الزيارات الأخيرة لا يشير إلى انتهاكات منفصلة أو تجاوزات فردية كما نؤكد ذلك في قراءتنا لكافة السياسات والجرائم القائمة اليوم، وإنما إلى بنية اعتقالية متكاملة تتحول فيها أدوات القمع والإذلال والتجويع والعزل والحرمان من العلاج إلى وسائل ثابتة للسيطرة والإخضاع، والتدمير.

وتتغير مستويات التصعيد داخل هذه المنظومة تبعاً لجملة من المتغيرات السياسية و"الأمنية"، إلا أن جوهر السياسة يبقى ثابتاً: تعميق شروط الاعتقال القاسية، وتجريد الأسرى من حقوقهم الأساسية، وتحويل السجن إلى مساحة مغلقة لممارسة العنف المنهجي بعيداً عن الرقابة الدولية الفاعلة.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وكما حدث مراراً، تتحول قضية الأسرى إلى ساحة للمزايدة السياسية بين الأحزاب والشخصيات الإسرائيلية، بحيث يجري توظيف أجساد الأسرى ومعاناتهم كأداة لإثبات التنافس على مزيد من التطرف والقمع. وفي هذا السياق، لا يعود السجن مجرد مكان لتنفيذ الاعتقال، بل يتحول إلى مسرح للاستعراض السياسي، تُستخدم فيه معاناة الفلسطينيين لإنتاج صورة سياسية داخلية عن القوة والبطش والقدرة على التنكيل.

وعلى مدار الفترة الماضية، نفّذ نادي الأسير الفلسطيني عشرات الزيارات إلى عدد من السجون المركزية، ضمن برنامج الزيارات الذي تتابعه المؤسسات المختصة بشؤون الأسرى. وقد كشفت الزيارات المنفذة خلال شهر آب/أغسطس المنصرم وبداية أيلول/سبتمبر الجاري عن استمرار منظومة الجرائم المرتكبة بحق الأسرى، في ظل ظروف اعتقالية قاسية ومهينة، تتفاقم مع استمرار الاحتلال في استخدام مختلف الأدوات والسياسات التي تستهدف أجساد الأسرى وصحتهم وحياتهم.

زيارة "بن غفير" وعائلته للأسيرات: السجن كساحة للاستعراض السياسي

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الوزير الإسرائيلي المتطرف "إيتمار بن غفير" إلى قسم الأسيرات دلالة تتجاوز واقعة الاقتحام ذاتها، باعتبارها مثالاً صارخاً على تحويل السجن والأسيرات إلى مادة للاستعراض السياسي والدعاية، وعلى توظيف العنف الواقع عليهن في خدمة خطاب سياسي يقوم على التحريض والتطرف. فقد اقتحم "بن غفير" ، برفقة أفراد من عائلته، قسم الأسيرات، ودخل غرفتين، وقام بتوثيق الاقتحام بنفسه ونشر مقطعاً مصوراً ظهر خلاله وهو يوجه التهديدات للأسيرات.

وتكشف هذه الواقعة عن مستوى غير مسبوق من التعامل مع السجن باعتباره فضاءً مفتوحاً للاستعراض السياسي، وعن تداخل مباشر بين السلطة السياسية وأدوات القمع داخل المعتقلات. فوجود وزير إسرائيلي برفقة عائلته داخل قسم الأسيرات، وتوثيقه المشهد ونشره، يحوّل الأسيرات من صاحبات حقوق محتجزات تحت سلطة الاحتلال إلى أدوات في مشهد دعائي وسياسي، ويجعل من الإذلال نفسه فعلاً استعراضياً مقصوداً.

والأخطر أن هذه الزيارة جاءت في سياق كانت فيه الأسيرات أصلاً يتعرضن لعمليات اقتحام وقمع متكررة، بما يجعلها جزءاً من مناخ عام تُستخدم فيه التهديدات والعقوبات والعزل والاقتحامات لترسيخ الشعور بانعدام الأمان وتجريد الأسيرات من أي إحساس بالخصوصية أو الحماية.

ووفقاً لإفادات الأسيرات، أعقبت هذه الزيارة مرحلة من التصعيد الخطير في عمليات التنكيل والقمع، حيث بقيت الأسيرات لمدة ثلاثة أيام من دون مقتنياتهن الشخصية، ومن دون السماح لهن بالاستحمام أو الخروج إلى "الفورة".

وتقول إحدى الأسيرات: "خلال عمليات القمع الأخيرة يتم تقييدنا إلى الخلف وتعصيب أعيننا، ثم إخراجنا بعنف ونحن محنيات الرؤوس، وإجبارنا على الاستلقاء على الأرض. ويرافق ذلك الصراخ والشتائم والكلام البذيء. نعيش في حالة من القلق الدائم والتأهب، خوفاً من أي اقتحام مفاجئ للغرف. وفي كل عملية قمع تتكرر أشكال التنكيل ذاتها، إلى جانب استهداف الأسيرات بالعزل المتكرر واحتجازهن في ظروف قاسية ومهينة للغاية، فضلاً عن تعمّد تصوير عمليات القمع".

وتؤكد هذه الإفادة أن التصوير ليس تفصيلاً هامشياً في عمليات القمع، وإنما يمثل في حد ذاته أداة إضافية للإذلال والسيطرة، عبر تحويل لحظة العنف التي تتعرض لها الأسيرات إلى مادة قابلة للتوثيق والاستخدام خارج السجن، في انتهاك إضافي لكرامتهن الإنسانية.

الأسيرات في "الدامون": القمع والعزل والإذلال كسياسة متواصلة

لم تشهد قضية الأسيرات الفلسطينيات واقعاً بهذه الدرجة من القسوة والتنكيل كما هو حاصل اليوم. فمنذ بداية العام الجاري، تعرضت الأسيرات لعشرات عمليات القمع والاقتحام، رافقها استخدام أشكال متعددة من الاعتداء والإذلال والعزل والعقوبات الجماعية. وخلال عمليات القمع، تُقيّد الأسيرات إلى الخلف، وتُعصَب أعينهن، ثم يُسحبن بعنف إلى ساحات السجن، فيما تُصادر مقتنياتهن الشخصية، بما فيها الأدوات الأساسية التي يعتمدن عليها في حياتهن اليومية داخل المعتقل. كما صعّدت قوات القمع من استخدام الغاز المسيل للدموع، بالتزامن مع فرض العزل بحق عدد من الأسيرات. ولا تقتصر خطورة هذه الممارسات على ما تخلّفه من أذى جسدي مباشر، وإنما تمتد إلى تحويل الخوف والترقب والإذلال إلى حالة يومية تعيشها الأسيرات، بحيث يصبح الاقتحام المفاجئ والعقوبة والعزل جزءاً من إدارة حياتهن داخل السجن، وأبرز القضايا الراهنة هي قضية الأسيرة بشرى الطويل التي جرى عزلها ونقلها إلى سجن "الرملة"، بعد عملية عزل تمت لها في سجن "الدامون" تعرضت خلالها لعمليات قمع ممنهجة، ونشير كذلك إلى قضية الأسيرة شيماء خازم من جنين المعتقلة إدارياً والتي تعرضت لصدمة بعد أن تلقت نبأ اغتيال والدها أمام شقيقها الأصغر، وما كشفته خلال زيارتها من تعرضها لسلسلة من الانتهاكات والإجراءات العقابية، بعد استشهاد والدها.

 

 

انتشار الجرب في السجون أداة مركزية لتعذيب الأسرى   

  برز خلال هذه الزيارات انتشار مرض الجرب (السكابيوس) بوصفه إحدى أخطر القضايا الصحية الراهنة، ليس فقط بسبب اتساع نطاق الإصابة، وإنما لما يكشفه من طبيعة الظروف التي يُحتجز فيها الأسرى. فانتشار المرض في هذه الظروف لا يمكن فصله عن أساليب التعذيب الجسدية والنفسية،  فالحرمان من النظافة، ونقص أدواتها، والاكتظاظ، وسوء التهوية، ورداءة البيئة الاعتقالية، إلى جانب التأخر في تقديم العلاج والرعاية الطبية اللازمة، جعلت من المرض واقعاً قائما، لا يمكن السيطرة عليه إلا بإنهاء العوامل المسببة له.

وبذلك، فإن المرض داخل السجن تحول إلى أداة للتعذيب؛ إذ يُترك الأسير لمواجهة أعراضه وآلامه لفترات طويلة، فيما تستمر الظروف التي تسمح بانتقال العدوى وانتشارها. وعليه، فإن المسؤولية لا تتصل فقط بعدم تقديم العلاج، بل كذلك باستمرار البيئة الاعتقالية التي تهيئ لانتشار المرض وتفاقمه.

وفي سجن "عوفر"  على وجه الخصوص، تركزت إفادات الأسرى حول الانتشار الواسع للجرب بين صفوف المعتقلين، وما يرافق ذلك من حرمان من العلاج والرعاية الطبية اللازمة. وأفاد أسرى بأن الإجراءات التي تتخذها إدارة السجن أحياناً، وتقدمها باعتبارها استجابة للمطالب الصحية، تبقى محدودة وشكلية، ولا تمس أسباب انتشار المرض ولا توفر علاجاً فعلياً للمصابين.

وأفاد أحد الأسرى الذين جرت زيارتهم مؤخراً بأنه يعاني من الجرب منذ نحو أربعة أشهر، وقد انتشرت الدمامل والالتهابات في أنحاء جسده، دون توفير العلاج المناسب له. كما أشار إلى أن الغالبية العظمى من الأسرى تعاني من الجرب أو من أعراض وأمراض جلدية مرتبطة بالظروف الصحية والبيئية الكارثية داخل السجن.

ويترافق ذلك مع استمرار عمليات القمع والاعتداء، بما يشمل استخدام الكلاب البوليسية، وقنابل الصوت والغاز، وإطلاق الرصاص المطاطي، والاعتداء بالضرب المبرح، بما يجعل المرض جزءاً من واقع اعتقالي أوسع يجمع بين الإيذاء الجسدي والحرمان من العلاج.

وتشير الإفادات إلى أن سجن "عوفر"  شهد منذ مطلع العام الجاري واحدة من أكثر حملات القمع والتنكيل كثافة بحق الأسرى، ضمن سياسة متواصلة تقوم على الاقتحامات والاعتداءات الجماعية والعقوبات، وتضاف إلى منظومة الانتهاكات اليومية التي يتعرضون لها.

وصول مرض الجرب إلى الأسيرات

  وفي السياق ذاته، تابع نادي الأسير الفلسطيني والمؤسسات المختصة قضية انتشار الأمراض الجلدية بين الأسيرات في سجن "الدامون"، بما في ذلك حالات الإصابة بالجرب، إلى جانب انتشار الحساسية وأمراض جلدية أخرى، نتيجة الظروف البيئية والاعتقالية القاسية، وارتفاع

نسبة الرطوبة، وانعدام التهوية الكافية، والحرمان من أدوات النظافة الشخصية، وعدم توفير الملابس الكافية، فضلاً عن الاكتظاظ داخل الغرف والزنازين.

وتمثل هذه الظروف البيئة ذاتها التي أسهمت في انتشار الجرب في عدد من السجون، في ظل استمرار إدارة السجون في التعامل مع الوضع الصحي للأسرى والأسيرات بسياسة الإهمال والتسويف، بدلاً من اتخاذ إجراءات جدية وفاعلة تضمن العلاج وتمنع انتقال المرض.

الضرب والتجويع والقمع: منظومة واحدة لتدمير الأسرى نفسياً وجسدياً

أما على صعيد الزيارات التي جرت إلى سجن "النقب"، فقد عكست الإفادات استمرار الظروف الاعتقالية ذاتها، حيث شدد عدد من الأسرى على استمرار استخدام الهراوات في الاعتداء عليهم، إلى جانب إطلاق الرصاص المطاطي، فضلاً عن التجويع الممنهج الذي أنهك الأسرى وأضعفهم جسدياً ونفسياً. وهذا الواقع لم يقتصر على سجن واحد، بل عكسته أيضاً غالبية الزيارات التي جرت إلى سجون "جانوت" و"جلبوع" و"الرملة"و"مجدو"، حيث تستمر منظومة السجون في استخدام التجويع والاعتداءات الجسدية والإذلال والحرمان باعتبارها أدوات ثابتة في إدارة حياة الأسرى والسيطرة على تفاصيل وجودهم داخل المعتقلات.

وفي سجن "جانوت" على سبيل المثال، تواجه المؤسسات مماطلة مستمرة في تحديد مواعيد الزيارات، فيما ترافق عملية الزيارة في عدد من السجون إجراءات تنكيلية إضافية، من بينها إجبار الأسير على الانتقال إلى غرفة الزيارة وهو مقيّد. وفي بعض الحالات، يُجبر الأسرى على البقاء مقيّدين حتى أثناء الزيارة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرتهم على إيصال شهاداتهم، ويحد من إمكانية متابعة قضاياهم وتوثيق ما يتعرضون له من انتهاكات.

الأطفال الأسرى ضمن منظومة الإبادة في السجون

ولا تقلّ الجرائم المرتكبة بحقّ الأطفال الأسرى خطورةً عمّا يتعرّض له الأسرى البالغون، إذ يواصل الاحتلال إخضاع الأطفال لظروف اعتقالية قاسية، في إطار منظومة تتعمّد استخدام القمع والتنكيل والحرمان من الرعاية الصحية كأدوات للعقاب والإيذاء والتدمير النفسي والجسدي. ولا تقف هذه المنظومة عند انتهاك حقوق الطفل داخل السجن، بل تمتد إلى استهداف جسده وصحته، في ظل حرمانه من أبسط مقومات الحماية والرعاية التي يفترض أن تُكفل له بوصفه طفلًا.

وتجسّد قضية الطفل محمد حميد إحدى أكثر الصور فداحةً لهذه الجريمة؛ فالاحتلال لم يكتفِ بحرمانه من طفولته وحريته، بل سلبه حقه في العلاج، بعد إصابته بمرض الجرب في سجن "عوفر"، وترك حالته الصحية تتدهور بصورة خطيرة، وصولًا إلى مضاعفات طالت أعضاءً حيوية من جسده، وانتهت إلى بتر إحدى قدميه وخضوعه لسلسلة من العمليات الجراحية. ولا يزال محمد في مستشفى "شعاري تصيدق" الإسرائيلي في وضع صحي خطير، في قضية تكشف بوضوح أن الحرمان من العلاج داخل منظومة السجون ليس إهمالًا عابرًا، وإنما ممارسة تفضي إلى إحداث أضرار جسدية قد لا يمكن تداركها، أو تتسبب بقتل الأسير.

 

 

ارتفاع مستمر في أعداد الأسرى الذين يعانون من أمراض مزمنة

كما يسجل نادي الأسير الفلسطيني ارتفاعاً في أعداد الأسرى الذين يعانون من مشكلات صحية وأمراض مزمنة، ولا سيما الأسرى الذين يواصل الاحتلال اعتقالهم منذ سنوات طويلة، وبعضهم منذ ما قبل الإبادة الجماعية، وما زالوا رهن الاعتقال حتى اليوم، وهنا نذكر قضية الأسير المسن موفق عروق من الداخل المحتل، والذي يعتبر أكبر الأسرى سناً المحكومين أحكام عالية، حيث يواجه وضعاً صحياً صعباً منذ سنوات، وفي أعقاب الإبادة تعرض لما تعرض له الأسرى كافة، واليوم يعتبر من أخطر الحالات الصحية في السجون.  وتتعاظم المخاوف على مصير الأسرى كبار السن والمرضى، وكذلك الأسرى الذين يخضعون للعزل في سجني "مجدو" و"جانوت".

استمرار عزل العشرات من قيادات الحركة الأسيرة

يبرز في هذه المرحلة بشكل خاص الاستهداف الممنهج لقيادات الحركة الأسيرة، التي تحوّل عزلها إلى سياسة مقصودة تتجاوز في أهدافها مجرد فرض العزل الانفرادي، لتطال بنيتها القيادية ودورها في تمثيل الأسرى وتنظيم حياتهم داخل السجون والدفاع عن حقوقهم. فمنذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، صعّدت إدارة السجون من عزل العشرات من القيادات، ونقلهم بصورة متكررة، وقطع تواصلهم مع بقية الأسرى ومع العالم الخارجي، في محاولة لضرب أدواتهم الجماعية في مواجهة منظومة السجن، وتفكيك أي قدرة على التنظيم والمطالبة والاحتجاج، وتحويلهم إلى أهداف معزولة يسهل استنزافها والسيطرة عليها.

إن استهداف القيادات يأتي في سياق سياسة أوسع تهدف إلى ضرب الحركة الأسيرة في بنيتها، عبر استهداف من لعبوا تاريخيًا دورًا في تمثيل الأسرى والتصدي لسياسات السجن ومواجهة الانتهاكات. ولذلك، فإن عزلهم لا يمكن قراءته كإجراء أمني أو إداري منفصل، بل كأداة عقابية وسياسية تستهدف دورهم ومكانتهم وتأثيرهم، وتسعى إلى فرض واقع داخل السجون يقوم على التفكيك والعزل وإلغاء أي شكل من أشكال التمثيل الجماعي. ويترافق ذلك مع الضرب المبرح والإذلال والتجويع والحرمان من الرعاية الطبية والاحتياجات الأساسية، بما يجعل استهداف القيادات جزءًا من منظومة متكاملة تستهدف الإنسان والأسير ودوره، وتسعى إلى إضعاف الحركة الأسيرة وتفكيك قدرتها على حماية الأسرى والدفاع عن حقوقهم.

وعليه، فإن ما تتعرض له قيادات الحركة الأسيرة لا يمثل مجرد تشديد لإجراءات الاعتقال، وإنما يمثل استهدافًا ممنهجًا لقيادة جماعية داخل السجون، ضمن سياسة تسعى إلى إعادة تشكيل واقع الأسرى بالقوة، وتجريدهم من أدواتهم الجماعية، وفرض العزلة عليهم، وصولًا إلى تحويل السجن إلى فضاء مغلق تتحكم فيه منظومة القمع دون رقابة أو مساءلة فعلية.

 

 

 

 

قضية زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر

وفي ظل تصاعد الحديث عن إمكانية استئناف زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين، يؤكد نادي الأسير الفلسطيني أنه حتى هذه اللحظة لا يوجد أي تطور فعلي أو جدي يمكن البناء عليه في هذا الملف. وما يتم تداوله في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول هذا الموضوع لا يعكس، حتى الآن، واقعاً ملموساً على الأرض، في ظل استمرار حرمان الأسرى الفلسطينيين من الزيارات المنتظمة للجنة الدولية للصليب الأحمر.

ورغم المحاولات والجهود المستمرة التي تبذلها مؤسسات الأسرى للضغط على مختلف الأطراف والجهات ذات العلاقة على المستوى الدولي، من أجل الدفع نحو استئناف زيارات عاجلة وفاعلة للأسرى، فإن استمرار غياب آلية دولية مستقلة وقادرة على الوصول المنتظم إلى المعتقلات يفاقم من حالة العزل التي يعيشها الأسرى، ويمنح منظومة السجون مساحة إضافية لمواصلة جرائمها بعيداً عن الرقابة الدولية الفاعلة.

كما أن استمرار حرمان الأسرى من الوصول المنتظم إلى العالم الخارجي، وعرقلة الزيارات القانونية والحقوقية، إلى جانب غياب الرقابة الدولية المباشرة، يشكل أحد العوامل الأساسية التي تسمح باستمرار التعذيب والتنكيل والتجويع والإهمال الطبي داخل السجون.

إن ما تكشفه الزيارات والشهادات الواردة من داخل السجون يؤكد، مرة أخرى، أن الأسرى الفلسطينيين يواجهون منظومة اعتقال قائمة على التعذيب والتجويع والإذلال والحرمان من العلاج والعزل والقمع المتواصل، وأن الجرائم المرتكبة بحقهم لم تعد أحداثاً استثنائية أو ممارسات مرتبطة بظروف مؤقتة، بل أصبحت جزءاً من سياسة ثابتة وممنهجة تستهدف الإنسان الفلسطيني داخل السجون، وتعمل بصورة متواصلة على إنهاكه جسدياً ونفسياً ودفعه نحو الموت البطيء أو التدمير طويل الأمد، في سياق النهج الإبادي القائم.

إن زيارة "بن غفير" وعائلته لقسم الأسيرات، وتوثيقها ونشرها، تختزل جانباً من طبيعة هذه المنظومة: سلطة سياسية تدخل إلى السجن لا لوقف الانتهاكات، وإنما لتوظيف وجود الأسرى والأسيرات ومعاناتهم في الاستعراض والتحريض وتعزيز خطاب القوة والعنف. وهي واقعة تكشف إلى أي حد أصبح انتهاك كرامة الأسرى جزءاً من الممارسة السياسية ذاتها، لا مجرد نتيجة لها.

إن ما يجري بحق الأسرى هو امتداد مباشر لجريمة الإبادة، ومنظومة متكاملة من التعذيب والتجويع والحرمان من العلاج،  والعزل والإذلال، فيما يكشف العجز والصمت الدولي عن أزمة عميقة في منظومة حقوق الإنسان الدولية التي أخفقت في توفير الحماية للضحايا، وتحول تقاعسها المتواصل إلى عامل يسمح باستمرار الجرائم والإفلات من المساءلة. وعليه،

يطالب نادي الأسير الفلسطيني بتدخل دولي عاجل وفاعل، وضمان الوصول الفوري والمنتظم للجنة الدولية للصليب الأحمر، والجهات الحقوقية إلى الأسرى، ووقف التعذيب والتجويع والحرمان من العلاج، والعزل، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم وإنهاء حالة الإفلات من العقاب. فلم يعد مقبولاً أن تستمر الجرائم تحت مرأى العالم، فيما تكتفي المنظومة الدولية بالتوثيق والإدانة، بينما يُترك الضحايا لمصيرهم داخل منظومة اعتقال تتحول فيها الكرامة الإنسانية نفسها إلى هدف للعقاب، وتتحول فيه السجون إلى ساحة إضافية للإبادة المستمرة.

(انتهى)


العودة للقائمة